أحمد بن محمد ابن عربشاه

292

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

على تلك الخبية « 1 » والتهوا عن طلب الحية الجبية ، فأمرهم فنقلوها إليه ووضعوها بين يديه ، فإذا فيها من الذهب النضار خمسمائة ألف دينار ، فعرف أن ذلك عناية ربانية ومواهب صمدانية رحمانية ، فصرف المال في إصلاح حاله ، وبذره في مزارع قلوب خيله ورجاله فثبت أوتاده واستقامت أجناده وقويت سواعده وأعضاده ، وكان أمره قد أشرف على الاختلال وعقد نظامه على الانفراد والانحلال . وكان من تمام هذه السعادة وتعقيب هذه الحسنى بالزيادة أن الملك المذكور بعد هذه الأمور وحصول هذا السرور ، وانتظام مصالح الجمهور ، أراد تفصيل قماش وخياطة خلع ورياش ، فطلب خياطا ثقة ليقلده هذه المنطقة « 2 » ، فأرشد إلى خياط ماهر شكله زاهر وفضله ظاهر وحذقه في صناعته باهر ، إلا أنه أطروش « 3 » حقل سمعه بدبى الوقر مدبوش « 4 » . فما يصل ملك الكلام إلى سرير صماخه « 5 » إلا بزمر وطبل وجاروش « 6 » ، فدعاه فأجلسه بين يديه وطلب الثياب ليعرضها عليه فتصور الخياط أنه سعى به إليه بسبب وديعة كانت لصاحب البلد لديه ، وإنما طلبه ليطالبه ، فإما أن يؤدبه أو يعاقبه ، فتقدم باليمين مثل المصارعين ، وأقسم بالله خالق المخلوق ورازق المرزوق أنها اثنا عشر صندوق لم يشعر بها مخلوق وإنه لا يدرى ما فيها ، وإنها مختومة بختم معطيها ، فتعجب عماد الدولة من كلامه وسجد لله شكرا على إنعامه .

--> ( 1 ) الستر والمكان المخبأ . ( 2 ) الحزام يشد على الوسط . ( 3 ) أي ذا صمم . ( 4 ) الدبش : أثاث البيت . والمعنى أي فاقد السمع . ( 5 ) الأذن . ( 6 ) الحك محدثا صوتا .